الادارة الاحترافية

رحيل الموهبة يبدأ قبل الاستقالة

 

رحيل الموهبة يبدأ قبل الاستقالة



في كثير من المؤسسات، لا يبدأ الاهتمام بالموظف المتميز إلا عندما يضع استقالته على الطاولة.

فجأة تبدأ الأسئلة:

لماذا تريد المغادرة؟

هل الراتب هو المشكلة؟

هل لديك عرض أفضل؟

هل نستطيع أن نقدم لك شيئا يجعلك تستمر؟

لكن السؤال الذي كان يجب أن يطرح قبل ذلك بكثير هو:

متى بدأ هذا الموظف فعليا في الرحيل؟

لأن الموظف الموهوب في الغالب لا يقرر المغادرة في يوم واحد.

الاستقالة ليست إلا آخر خطوة في رحلة قد تكون بدأت قبل أشهر، وربما قبل سنوات.

قد يكون ما زال يحضر إلى مكتبه كل صباح.

يرد على الرسائل.

يحضر الاجتماعات.

ينجز المهام.

ويظهر أمام الجميع كأنه موظف طبيعي.

لكنه في داخله لم يعد الشخص نفسه.

لقد بدأ ينسحب بهدوء.

وهذا النوع من الرحيل أخطر كثيرا من الاستقالة نفسها.

الموظف قد يغادر نفسيا قبل أن يغادر إداريا

في بداية عمله قد يكون الموظف مليئا بالحماس.

يدخل الاجتماع ومعه أفكار.

يسأل كيف يمكن تطوير العمل.

يقترح حلولا.

يتطوع للمشاركة في المشاريع.

يقرأ ويتعلم ويبحث.

وقد يعمل أحيانا أكثر مما هو مطلوب منه لأنه يشعر أن نجاح المؤسسة جزء من نجاحه.

ثم تمر الأيام.

يقدم فكرة ولا يجد ردا.

يقدم فكرة ثانية فيقال له:

ليس الآن.

ويقترح مشروعا ثالثا فيبقى في البريد الإلكتروني دون أن يتحرك.

ثم يشاهد بعد فترة طويلة فكرة مشابهة تطبق دون أن يعرف أحد أنه سبق أن طرحها.

في البداية يشعر بالإحباط.

ثم يحاول مرة أخرى.

ثم يقل حماسه.

وبعد فترة يتعلم درسا خطيرا:

أن الصمت أقل تكلفة من المبادرة.

ومن هنا يبدأ الانسحاب.

لا يترك العمل مباشرة.

بل يتوقف أولا عن إعطائه أفضل ما لديه.

أخطر خسارة ليست فقدان الموظف بل فقدان أفضل ما لديه

هناك فرق بين أن يعمل الإنسان لديك، وبين أن يعطيك أفضل ما لديه.

قد تمتلك المؤسسة موظفا لمدة عشر سنوات، لكنها لا تستفيد إلا من جزء صغير من قدراته.

وقد يجلس في المكتب موظف يمتلك مهارات وخبرات وأفكارا ممتازة، لكنه اكتشف أن البيئة لا تحتاجها.

فيقرر أن يؤدي المطلوب فقط.

وهنا قد تقول الإدارة:

فلان لم يعد كما كان.

لكن ربما يكون السؤال الأدق:

ماذا حدث حول فلان حتى لم يعد كما كان؟

الموهبة نادرا ما تختفي فجأة.

لكن الحماس قد يختفي.

والمبادرة قد تتوقف.

والفضول المهني قد ينخفض.

والشخص الذي كان يسأل:

ماذا يمكن أن نطور؟

قد يصبح بعد فترة يسأل:

ماذا تريدون مني بالضبط؟

هذا التحول يجب ألا يمر مرور الكرام.

لأنه غالبا إحدى العلامات المبكرة للانسحاب الوظيفي.

عندما يتحول التميز إلى عبء

من المفارقات الموجودة في بعض بيئات العمل أن الموظف الأكثر كفاءة يحصل على أكبر عدد من المشكلات.

لماذا؟

لأن الجميع يعرف أنه يستطيع حلها.

تظهر مهمة عاجلة:

أعطوها لفلان.

يتعثر مشروع:

استدعوا فلانا.

يتأخر أحد الموظفين:

فلان يستطيع أن يغطي مكانه.

نحتاج تقريرا سريعا:

فلان سينجزه.

وفي البداية قد يسعد الموظف بذلك.

فهو يشعر أنه محل ثقة.

لكن إذا استمر الأمر دون تقدير أو تطوير أو توزيع عادل للمسؤوليات، فإن الثقة تتحول تدريجيا إلى استنزاف.

تخيل موظفا ينجز مهامه مبكرا، فتكون مكافأته دائما مجموعة جديدة من المهام.

بينما الموظف الأقل إنجازا يحصل على عمل أقل لأنه ببساطة لا يستطيع تحمل المزيد.

بعد فترة قد تصل الرسالة إلى الموظف المتميز بشكل غير مباشر:

كلما كنت أفضل، عملت أكثر.

وهذه رسالة إدارية خطيرة.

لأن المؤسسة بهذه الطريقة قد تجعل التميز نفسه عبئا.

الموهوب لا يبحث دائما عن راتب أكبر

من السهل تفسير مغادرة الموظفين من خلال المال.

وقد يكون المال بالفعل عاملا مهما.

لكن اختزال الموضوع كله في الراتب يمنعنا من رؤية أسباب كثيرة أخرى.

بعض الموظفين يغادرون لأنهم يريدون أن يتعلموا.

بعضهم يريدون أن يشعروا أن عملهم له أثر.

بعضهم يبحثون عن قائد يثق بهم.

بعضهم يريد مساحة لاتخاذ القرار.

وبعضهم يريد فقط أن يشعر أن سنواته القادمة ستكون أفضل من سنواته السابقة.

الموظف المتميز غالبا يسأل نفسه بطريقة أو بأخرى:

ماذا سأكون بعد ثلاث سنوات إذا بقيت هنا؟

إذا لم يجد إجابة مقنعة، تبدأ الفرص الخارجية في الظهور أكثر جاذبية.

حتى لو كانت وظيفته الحالية مستقرة.

فالاستقرار وحده لا يكفي لكل الناس.

هناك من يبحث عن النمو.

عندما تتساوى المبادرة مع عدم المبادرة

تخيل موظفين.

الأول يحضر ويؤدي مهامه الأساسية وينصرف.

والثاني يفعل الشيء نفسه، لكنه بالإضافة إلى ذلك يطور نفسه، ويقدم الأفكار، ويساعد زملاءه، ويتولى المهام المعقدة، ويشارك في المبادرات.

ثم يأتي التقييم.

ويحصل الاثنان تقريبا على النتيجة نفسها.

ماذا سيتعلم الموظف الثاني؟

قد يستمر سنة.

وربما سنتين.

لكن في مرحلة ما سيبدأ بالسؤال:

لماذا أبذل كل هذا الجهد الإضافي؟

وهنا لا نتحدث فقط عن المكافآت المالية.

التقدير قد يكون كلمة.

وقد يكون فرصة.

وقد يكون مشروعا مهما.

وقد يكون إشراكا في قرار.

وقد يكون ترشيحا لبرنامج تطوير.

وقد يكون ثقة أكبر.

الموظف يريد أن يرى علاقة منطقية بين ما يقدمه وبين ما يحدث له.

عندما تختفي هذه العلاقة، يبدأ الدافع بالتراجع.

بعض الموظفين لا يريدون المنصب بل يريدون التأثير

من الأخطاء أيضا الاعتقاد أن كل موظف موهوب يبحث عن منصب إداري.

ليس بالضرورة.

هناك موظفون لا يرغبون في إدارة الآخرين، لكنهم يريدون التوسع في تخصصهم.

يريدون أن يصبحوا خبراء.

أو مستشارين.

أو قادة مشاريع.

أو مسؤولين عن ملفات نوعية.

أو أن يمنحوا مساحة للبحث والابتكار.

إذا كانت المؤسسة لا تقدم إلا مسارا واحدا للنجاح وهو الصعود الإداري، فقد تخسر أشخاصا ممتازين لا يرون أنفسهم في هذا المسار.

المؤسسات الذكية تبني أكثر من طريق للتقدم.

فالقيادة ليست دائما منصبا.

والتأثير لا يحتاج دائما إلى مكتب أكبر.

القائد قد يكون سببا في بقاء الموهبة أو رحيلها

قد يحب الموظف المؤسسة لكنه لا يستطيع الاستمرار مع مديره.

وقد يكون العكس صحيحا.

قد تكون المؤسسة تمر بظروف صعبة، لكن الموظف يبقى لأنه يعمل مع قائد يثق به ويحترمه ويشعر أنه يتعلم منه.

العلاقة مع المدير المباشر لها تأثير عميق في التجربة اليومية للموظف.

فهو الشخص الذي يستطيع أن يجعل الموظف يشعر أنه مسموع.

أو يشعر أنه مهم.

أو يشعر أن لديه فرصة.

وهو أيضا الذي يستطيع أن يجعل الموظف يشعر بأنه مجرد رقم.

والقائد لا يحتاج دائما إلى حلول كبيرة.

أحيانا يحتاج فقط إلى أن يسأل موظفه:

ما العمل الذي تستمتع به أكثر؟

ما المهارة التي تريد تطويرها؟

ما الشيء الذي يعيقك؟

هل هناك مسؤولية جديدة تريد تجربتها؟

ما الذي يمكنني فعله حتى تستطيع أداء عملك بشكل أفضل؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف أشياء لا تظهر في التقارير.

الموظف الصامت ليس بالضرورة موظفا راضيا

أحد الأخطاء الإدارية الشائعة هو تفسير غياب الشكوى على أنه رضا.

ليس كل موظف غير راض يشتكي.

بعض الناس يناقشون ويحاولون.

وبعضهم عندما يفقدون الأمل يتوقفون عن الحديث.

وفي بعض الأحيان يكون الموظف الذي يجادل ويقترح ويعترض باحترام أكثر ارتباطا بالمؤسسة من الموظف الذي يقول نعم لكل شيء.

لأن الأول ما زال يريد تغيير الواقع.

أما الثاني فقد يكون وصل إلى مرحلة:

افعل المطلوب ولا تدخل في شيء آخر.

لذلك عندما يتحول الموظف المعروف بالمبادرة إلى الصمت، من المفيد ألا نقول:

أخيرا ارتاح.

بل نسأل:

لماذا توقف عن الكلام؟

علامات قد تسبق استقالة الموظف الموهوب

ليست هناك معادلة مؤكدة لمعرفة من سيغادر.

لكن توجد تغيرات تستحق الملاحظة.

موظف كان يقترح باستمرار ثم توقف.

موظف كان يطلب المشاركة في المشاريع ثم أصبح يعتذر.

موظف كان يتحدث عن خطط العام القادم ثم أصبح حديثه مقتصرا على اليوم.

موظف كان يهتم بالتفاصيل ثم أصبح يؤدي الحد الأدنى المطلوب.

موظف كان يناقش المشكلات ثم أصبح يقول:

كما ترون.

أو:

الذي تقررونه مناسب.

وقد لا تعني أي علامة منفردة أن الشخص سيستقيل.

لكن التغير الكبير في سلوك موظف معروف بالحماس يستحق حوارا.

ليس تحقيقا.

ولا مواجهة.

بل حوارا حقيقيا.

لا تجعل أول حوار جاد معه في مقابلة الاستقالة

من المشاهد المتكررة أن الموظف يقدم استقالته، وفجأة يجد نفسه في اجتماع طويل مع الإدارة.

يسألونه عن رأيه.

وما يحتاجه.

والمشكلات التي واجهها.

والراتب الذي يريده.

والمشروع الذي كان يرغب فيه.

وربما يعرض عليه منصب أو ترقية أو صلاحيات جديدة.

وقد يكون السؤال الذي يدور في ذهن الموظف حينها:

لماذا لم يحدث هذا الحديث قبل أن أستقيل؟

من هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بمقابلات البقاء.

لا تنتظر مقابلة الخروج.

اجلس مع الأشخاص المهمين لديك وهم ما زالوا موجودين.

واسألهم:

ما الذي يجعلك تستمر معنا؟

وما الذي قد يجعلك تفكر في الرحيل؟

وما الجزء الذي تتمنى تغييره في عملك؟

وما الفرصة التي تريد الحصول عليها خلال الفترة القادمة؟

قد توفر عليك هذه المحادثة استقالة موظف بعد ستة أشهر.

أحيانا لا نحتاج إلى الاحتفاظ بكل موظف

في المقابل، من المهم ألا تتحول فكرة الاحتفاظ بالمواهب إلى محاولة الاحتفاظ بالجميع بأي ثمن.

الرحيل طبيعي.

والناس يتغيرون.

والأهداف تتغير.

وأحيانا تكون مغادرة الموظف قرارا جيدا له وللمؤسسة.

المشكلة ليست أن يغادر شخص جيد.

المشكلة أن يغادر عدد من أفضل الأشخاص للأسباب نفسها ولا نتعلم شيئا.

إذا تكرر خروج أصحاب المبادرات لأنهم يشعرون بعدم وجود فرص للنمو، فهذه ليست مشكلة أفراد.

إنها إشارة تنظيمية.

وإذا تكرر خروج المتميزين من إدارة بعينها، فالسؤال لا يجب أن يتوقف عند الموظفين.

بل يجب أن يمتد إلى القيادة والبيئة وطريقة إدارة العمل.

لا تقيس نجاحك بعدد من بقي فقط

قد تقول مؤسسة:

نسبة دوران الموظفين لدينا منخفضة جدا.

وهذا مؤشر جيد غالبا، لكنه لا يكفي وحده.

فالسؤال المهم هو:

من الذي بقي؟

و:

من الذي غادر؟

هناك فرق كبير بين مؤسسة تحتفظ بأصحاب الأداء المرتفع وبين مؤسسة يبقى فيها الأقل قدرة على الحصول على فرص أخرى بينما يغادر المتميزون.

لذلك فإن تحليل الاستقالات يجب أن يكون نوعيا وليس رقميا فقط.

من غادر؟

من أي إدارة؟

بعد كم سنة؟

ما مستوى أدائه؟

ما الأسباب المتكررة؟

هل كان من أصحاب الإمكانات العالية؟

هل سبقه تغير في الدور أو المدير؟

هل كانت لديه فرص تطور واضحة؟

هذه الأسئلة تحول الاستقالات من أحداث إدارية إلى مصدر تعلم مؤسسي.

ماذا يستطيع القائد أن يفعل؟

لا توجد وصفة واحدة للاحتفاظ بالمواهب.

لكن توجد ممارسات بسيطة تحدث فرقا كبيرا.

استمع إلى الموظف قبل أن يتحول صمته إلى قرار.

قدر الإنجاز بوضوح.

وزع المسؤوليات بعدالة.

لا تعاقب المتميز بالمزيد من الأعباء فقط.

امنحه تحديات تطوره.

اسمح له بتجربة أدوار جديدة.

ناقش مستقبله المهني معه.

أعطه تغذية راجعة حقيقية.

واعرف ما الذي يحفزه كشخص، لا باعتباره مجرد وظيفة في الهيكل التنظيمي.

والأهم:

لا تفترض أن الموظف الجيد سيبقى لأنه لم يشتك.

السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدير

اختر اليوم ثلاثة أو أربعة من أفضل الأشخاص في فريقك.

ثم اسأل نفسك بصراحة:

لو حصل أحدهم هذا الأسبوع على عرض أفضل، لماذا سيختار البقاء معي؟

هل سيبقى بسبب الراتب فقط؟

أم لأنه يتعلم؟

لأن لديه مساحة؟

لأنه يشعر بالتقدير؟

لأنه يرى مستقبلا؟

لأنه يثق بقيادته؟

لأنه يشعر أن عمله له معنى؟

إذا لم تكن لديك إجابة واضحة، فربما لديك عمل يجب أن تبدأ به قبل أن تصل رسالة الاستقالة.

الخلاصة

الموظفون الموهوبون لا يغادرون دائما في اللحظة التي يقدمون فيها استقالاتهم.

بعضهم يغادر قبل ذلك بوقت طويل.

يغادر حين يتوقف عن المبادرة.

ويغادر حين يقتنع أن أفكاره لن تجد طريقها.

ويغادر حين يصبح تميزه سببا لتحميله المزيد دون أن يرى نموا حقيقيا.

ويغادر حين يشعر أن مستقبله المهني خارج المؤسسة أكثر وضوحا من مستقبله داخلها.

ولهذا فإن إدارة المواهب لا تبدأ بالتوظيف.

ولا تنتهي بالتقييم السنوي.

إنها علاقة مستمرة بين الإنسان والعمل والقيادة والفرصة والتقدير.

وأحيانا يكون أفضل استثمار تقوم به المؤسسة ليس استقطاب موظف جديد.

بل أن تعرف لماذا بدأ أفضل موظفيها الحاليين يفقدون حماسهم.

لا تنتظر خطاب الاستقالة لتكتشف أن الموظف غادر منذ أشهر.


اعداد: د. بدر رمضان الحوسني

🌐 الموقع
Albder.com

📢 قناة التليجرام
https://t.me/yorlive

#القيادة
#الإدارة
#إدارة_المواهب
#الموارد_البشرية
#بيئة_العمل
#التطوير_المؤسسي
#التميز_المؤسسي



تعليقات

قناة مهارات الحياة

الروابط


en

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملخص كتاب أفكار صغيرة لحياة كبيرة

متى يتم التفويض

نموذج خطة عمل مشروع تربوي

مفهوم التخطيط التنفيذي

"بَسْ دقيقة"

برنامج تدريبى: كيف تضع رسالة ورؤية لحياتك ؟!

مواهب أبنائنا كيف نكتشفها وننميها ؟

نظرية القرود الخمسة //نظريةعلم الإدارة الحديثة

كيف تحاكي الحياة لعبة الشطرنج