لماذا تعرف ما يجب فعله ولا تفعله؟
لماذا تعرف ما يجب فعله ولا تفعله؟
كيف نحول المعرفة إلى ممارسة يومية؟
لم تعد المعرفة هي المشكلة في هذا العصر. نستطيع خلال دقائق أن نعرف كيف ننظم وقتنا ونطور مهاراتنا ونحسن صحتنا ونقود فرقنا ونتعامل مع مشكلاتنا. نقرأ النصائح ونشاهد المقاطع ونحفظ العبارات المؤثرة ثم نعود بعد أيام إلى العادات نفسها.
نحن في الغالب نعرف ما يجب فعله لكننا لا نفعله.
يعرف الإنسان أن الرياضة مفيدة لكنه يؤجلها. ويعرف أن القراءة تطور عقله لكنه لا يفتح الكتاب. ويعرف المدير أن الاستماع إلى الموظفين يحسن الأداء لكنه يتحدث أكثر مما يسمع. ويعرف الأب أن الهدوء أقرب إلى التربية السليمة لكنه يعود إلى الصراخ عند أول موقف صعب.
المشكلة إذن ليست نقص المعرفة بل وجود مسافة بين ما نعرفه وما نمارسه.
المعرفة قد تمنحنا شعورا زائفا بالتقدم
عندما نقرأ فكرة جديدة نشعر بأننا أنجزنا شيئا. وعندما نحضر دورة تدريبية نشعر أننا أصبحنا أفضل. لكن فهم الفكرة لا يعني تطبيقها.
معرفة أهمية الانضباط ليست انضباطا.
ومعرفة طرق النجاح ليست نجاحا.
ومعرفة أخطاء التواصل لا تعني أننا أصبحنا نتواصل بصورة أفضل.
المعرفة ترشد الإنسان إلى الطريق لكنها لا تسير به فيه. ولهذا قد يمتلك شخص معلومات كثيرة عن التطوير بينما تظل حياته بلا تغيير حقيقي.
التطبيق له تكلفة
المعرفة تحدث في العقل أما التطبيق فيحتاج إلى قرار وجهد وتكرار ومقاومة للرغبة في الراحة.
من السهل أن تقرأ عن الاستيقاظ المبكر لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يرن المنبه. ومن السهل أن تتعلم مهارة الحوار لكن الاختبار يأتي عندما يستفزك الطرف الآخر. ومن السهل أن تكتب خطة أسبوعية لكن الالتزام بها يتطلب أن تتخلى عن بعض المشتتات والعادات المريحة.
لهذا نحب المعرفة أحيانا لأنها تمنحنا شعورا بالتطور دون أن نتحمل تكلفة التغيير.
وفي كتاب الإدارة الاحترافية يوضح د. بدر رمضان الحوسني أن قيمة المفاهيم لا تكمن في تداولها أو الحديث عنها بل في تحويلها إلى ممارسات وقرارات تصنع أثرا يراه الناس في الواقع. وما ينطبق على الإدارة ينطبق على حياة الإنسان أيضا. فنحن لا نتطور بمقدار ما نعرف بل بمقدار ما نطبق مما نعرف.
البداية الكبيرة قد تمنعك من البداية
كثير من الناس لا يتوقفون بسبب ضعف الرغبة بل بسبب ضخامة ما قرروا القيام به.
يقرر الشخص أن يقرأ ساعة يوميا ويمارس الرياضة خمس مرات أسبوعيا وينام مبكرا ويتعلم لغة جديدة ويتوقف عن استخدام الهاتف في وقت واحد. يستمر عدة أيام ثم يشعر بالإرهاق ويترك كل شيء.
التغيير الحقيقي لا يبدأ غالبا بقفزة كبيرة بل بخطوة صغيرة يمكن تكرارها.
بدلا من أن تقول سأقرأ كتابا كل أسبوع ابدأ بخمس صفحات يوميا.
وبدلا من أن تقول سأغير أسلوبي بالكامل مع الموظفين ابدأ بسؤال واحد في نهاية كل اجتماع:
ما الدعم الذي تحتاجونه مني؟
وبدلا من أن تضع برنامجا رياضيا قاسيا ابدأ بعشر دقائق من المشي تستطيع الالتزام بها.
الخطوة الصغيرة لا تبدو مبهرة لكنها أكثر قدرة على الاستمرار.
اختر فكرة واحدة
بعد قراءة كتاب أو حضور دورة لا تحاول تطبيق كل ما تعلمته. اختر فكرة واحدة فقط واسأل نفسك:
ما السلوك الواحد الذي لو التزمت به سيتحسن واقعي؟
قد تكون الفكرة هي القراءة اليومية أو النوم المبكر أو تحسين الاستماع أو ترتيب الأولويات أو التوقف عن تأجيل مهمة مهمة.
كلما قل عدد التغييرات في البداية زادت فرصة نجاحك في تثبيتها.
حول النية إلى سلوك واضح
النوايا العامة لا تنتج أفعالا واضحة.
لا تقل:
سأهتم بصحتي.
قل:
سأمشي عشرين دقيقة بعد صلاة المغرب.
لا تقل:
سأطور فريقي.
قل:
سأخصص عشر دقائق كل أسبوع للحديث مع كل موظف عن تقدمه.
لا تقل:
سأقرأ أكثر.
قل:
سأقرأ خمس صفحات قبل النوم.
عندما يكون السلوك واضحا يصبح تنفيذه أسهل وقياسه ممكنا.
اربط الفعل بوقت ثابت
العمل الذي لا يرتبط بموعد يبقى معرضا للتأجيل.
بدلا من أن تقول سأفعل ذلك عندما أجد الوقت اربطه بوقت أو موقف محدد:
بعد شرب القهوة أراجع أولوياتي.
بعد انتهاء الاجتماع أكتب القرار والمسؤول وموعد التنفيذ.
بعد العودة إلى المنزل أضع الهاتف بعيدا لمدة عشرين دقيقة.
قبل النوم أراجع ما أنجزته خلال اليوم.
عندما يرتبط السلوك بعادة موجودة يصبح العقل أكثر استعدادا لتكراره.
ابدأ بحجم لا يستطيع عقلك رفضه
لا تشترط أن تكون البداية كاملة.
صفحة واحدة أفضل من كتاب مؤجل.
خمس دقائق من التمرين أفضل من خطة لم تبدأ.
مكالمة واحدة أفضل من قائمة طويلة من العلاقات المؤجلة.
رسالة شكر واحدة أفضل من نية عامة لتحسين بيئة العمل.
الهدف في البداية ليس تحقيق إنجاز ضخم بل بناء هوية جديدة. هوية الإنسان الذي يبدأ ويلتزم ويعود عندما يتعثر.
طبق ما تعلمته خلال أربع وعشرين ساعة
كل فكرة لا تستخدمها سريعا تكون معرضة للنسيان.
بعد قراءة مقال أو حضور دورة أو سماع نصيحة اسأل نفسك:
كيف سأطبق هذه الفكرة خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة؟
قد يكون التطبيق بسيطا مثل تعديل سؤال في اجتماع أو حذف مشتت من الهاتف أو كتابة ثلاث أولويات لليوم التالي.
التطبيق السريع ينقل الفكرة من الذاكرة إلى التجربة. وعندما تجربها تستطيع تقييمها وتحسينها وتثبيتها.
لا تجعل التعثر نهاية الطريق
قد تفوتك ممارسة عادة في يوم ما. وقد تعود إلى سلوك قديم في موقف صعب. وقد تتأخر عن تنفيذ خطتك.
هذا لا يعني أن التغيير فشل.
التحسين لا يعني ألا تتعثر بل أن تقل مدة التعثر وأن تعود بسرعة أكبر. المشكلة ليست في فقدان يوم واحد بل في تحويل ذلك اليوم إلى سبب للتوقف الكامل.
لا تقل:
لقد فشلت.
قل:
تعثرت اليوم وسأعود غدا.
مثال عملي
قرأ مدير عن أهمية إشراك الموظفين في حل المشكلات. أعجبته الفكرة لكنه أدرك أن الإعجاب وحده لن يغير أسلوبه.
في الاجتماع التالي قرر ألا يقدم الحل فور عرض المشكلة. وكتب أمامه سؤالا واحدا:
ما الحل الذي تقترحونه؟
في البداية انتظر الموظفون إجابته المعتادة. لكنه كرر السؤال في الاجتماعات التالية. وبعد فترة بدأ الفريق يقدم أفكارا أفضل ويتحمل مسؤولية أكبر ويأتي إلى الاجتماع ومعه بدائل للحل.
لم يحتج المدير إلى خطة معقدة. لقد حول فكرة واحدة إلى سؤال يتكرر. ثم تحول السؤال إلى ممارسة وتحولت الممارسة إلى ثقافة داخل الفريق.
معادلة التحول
يمكن تلخيص الانتقال من المعرفة إلى العمل في هذه المعادلة:
فكرة واضحة + خطوة صغيرة + وقت محدد + تكرار مستمر = تغيير حقيقي
لا تبحث كل يوم عن معرفة جديدة وتنسى ما تعرفه بالفعل. قد يكون ما تحتاج إليه ليس كتابا آخر ولا دورة جديدة بل تنفيذ فكرة قديمة أجلتها كثيرا.
فالفرق بين شخص يعرف وشخص يتطور ليس عدد المعلومات التي يمتلكها بل عدد الأفكار التي أصبحت جزءا من سلوكه.
اسأل نفسك اليوم:
ما الشيء الذي أعرف أنه مفيد لكنني لم أحوله بعد إلى ممارسة؟
ثم لا تضع خطة كبيرة.
ابدأ بأصغر خطوة تستطيع تنفيذها الآن.
Albder.com
قناة التليجرام: https://t.me/yorlive
تعليقات
إرسال تعليق