القمة ليست للجميع \هرم النفاق
القمة ليست للجميع
في بيئات العمل الحديثة، يعتقد كثير من الناس أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يحصل الموظف على ترقية أو يصل إلى منصب أعلى. ومع مرور الوقت أصبحت الترقية في نظر البعض هي المقياس الوحيد للنجاح، حتى أصبح كثير من الموظفين يسعون إلى المناصب أكثر من سعيهم إلى تطوير مهاراتهم أو تعميق خبراتهم.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل كل متميز يصلح للقيادة؟
الحقيقة أن النجاح في الوظيفة الحالية لا يعني بالضرورة الجاهزية للمنصب القادم. فقد يكون الموظف متميزًا في تخصصه، دقيقًا في عمله، عالي الإنتاجية، وقادرًا على تحقيق نتائج استثنائية، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه يمتلك المهارات القيادية التي تؤهله لإدارة الآخرين أو اتخاذ القرارات الاستراتيجية أو قيادة فرق العمل.
في كثير من المؤسسات نجد مهندسًا مبدعًا أو معلمًا متميزًا أو خبيرًا محترفًا يتم نقله إلى منصب إداري اعتقادًا بأن الترقية مكافأة طبيعية لنجاحه. وبعد فترة تظهر التحديات، ليس لأن الشخص غير كفء، بل لأن طبيعة العمل الجديدة تختلف تمامًا عن طبيعة العمل السابقة.
فالخبير يعتمد على معرفته الفنية، بينما القائد يعتمد على قدرته على إدارة الناس وتحفيزهم وتوجيههم واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. وبين المهارتين مساحة واسعة تحتاج إلى إعداد وتدريب وتجربة.
ومن هنا تظهر إحدى أكبر المشكلات الإدارية المعروفة، وهي الوصول إلى مستوى لا تتوافق فيه مهارات الشخص مع متطلبات المنصب الجديد. فيتحول الموظف من شخص ناجح في تخصصه إلى شخص يواجه صعوبات في دوره القيادي، وتخسر المؤسسة خبيرًا متميزًا دون أن تضمن الحصول على قائد ناجح.
كما أن الترقية ليست دائمًا أفضل مسار مهني. فهناك أشخاص يحققون قيمة استثنائية في مواقعهم التخصصية، ويشكلون مرجعًا معرفيًا وخبرة نادرة للمؤسسة. هؤلاء لا تقل أهميتهم عن القيادات، بل قد يكون تأثيرهم أكبر في بعض الأحيان. ولذلك اتجهت العديد من المؤسسات الحديثة إلى بناء مسارات مهنية متعددة، تسمح للموظف بالنمو والتقدير والامتياز دون الحاجة إلى الانتقال إلى منصب إداري.
القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بارتفاع منصبه، وإنما بمدى ملاءمة موقعه لقدراته ومهاراته وشغفه. فقد يكون أحدهم في موقع خبير أو مستشار أو متخصص أكثر تأثيرًا ونجاحًا من شخص يشغل منصبًا قياديًا أعلى منه.
إن الترقية مسؤولية وليست مكافأة، والقيادة مهارة مختلفة وليست امتدادًا تلقائيًا للنجاح الفني. لذلك فإن المؤسسات الذكية لا تسأل فقط: من هو الأفضل في عمله؟ بل تسأل أيضًا: من هو الأقدر على قيادة الآخرين وتحمل مسؤوليات المرحلة القادمة؟
وفي النهاية تبقى حقيقة مهمة يجب ألا ننساها:
ليست كل قمة هي المكان المناسب للجميع.
فبعض الناس يصنعون أثرهم الأكبر في القيادة، وبعضهم يصنعونه في التخصص، وبعضهم يحققون نجاحهم الحقيقي في مواقع لا تحمل ألقابًا كبيرة ولكنها تحمل قيمة عظيمة.
القمة الحقيقية ليست أعلى منصب نصل إليه، بل المكان الذي نستطيع فيه أن نقدم أفضل ما لدينا ونصنع أكبر أثر ممكن.
د. بدر رمضان الحوسني
albder.com
.png)
.png)
.png)
تعليقات
إرسال تعليق