ما بعد الاجتماع أهم من الاجتماع نفسه
يظن بعض المديرين أن الاجتماع ينتهي عندما تغلق الملفات وتنطفئ الشاشة ويغادر الحضور القاعة لكن الحقيقة أن الاجتماع الحقيقي يبدأ بعد ذلك. فما يقال داخل الاجتماع لا يصنع أثرا ما لم يتحول إلى فعل واضح ومسؤولية محددة ومتابعة ذكية تحفظ القرار من الذوبان بعد الحماس الأول.
كثير من القرارات تبدو قوية وهي على الطاولة ثم تضعف في الممرات. يوافق الجميع داخل الاجتماع ثم تبدأ الأعذار بعده. يتراجع الحماس وتغيب المتابعة وتصبح التوصيات عبارات محفوظة في محضر لا يقرأه أحد. وهنا تظهر قيمة المدير القائد الذي لا يكتفي بإدارة النقاش بل يدير ما بعد النقاش.
القرار لا يعيش لأنه أعلن بل يعيش لأنه وجد من يحميه. يحتاج إلى مسؤول يعرف دوره وزمن واضح للتنفيذ ومؤشرات بسيطة للمتابعة ومساءلة عادلة عند التقصير. أما القرارات التي تترك بعبارات عامة مثل سنتعاون أو سيتم التنسيق أو يتابع الفريق فهي غالبا قرارات مهددة بالضياع لأنها لم توضع في يد أحد بعينه.
المتابعة الذكية لا تعني الضغط على الموظفين ولا مطاردتهم بالرسائل اليومية بل تعني إبقاء القرار حيا في وعي الفريق. المدير الواعي يسأل بهدوء ويتابع بتوازن ويزيل العوائق قبل أن تتحول إلى مبررات. إنه لا يبحث عن الخطأ بقدر ما يبحث عن استمرار الزخم وتحويل الاتفاق إلى نتيجة.
ومن المهم أن يدرك المدير أن الصمت بعد الاجتماع ليس دائما علامة رضا. قد يصمت بعض الموظفين لأنهم غير مقتنعين أو لأنهم لا يريدون الدخول في خلاف أو لأنهم يشعرون أن رأيهم لن يغير شيئا. لذلك فإن القائد الذكي يقرأ ما خلف الهدوء وينتبه للمقاومة الصامتة قبل أن تتحول إلى تعطيل غير معلن.
الاجتماع الناجح ليس الذي ينتهي بتصفيق أو مجاملة بل الذي يترك أثرا واضحا في العمل. لذلك فإن ما بعد الاجتماع يكشف حقيقة ما حدث داخله. فإن تحركت الفرق بوضوح وبدأ التنفيذ وظهرت النتائج كان الاجتماع منتجا. أما إذا بقيت القرارات في المحضر فقد كان الاجتماع مجرد وقت مستهلك بثوب إداري.
القائد الحقيقي لا يجهز الملفات فقط بل يجهز النفوس أيضا. يمهد للقرار قبل إعلانه ويشرح أسبابه ويربطه بالمصلحة العامة ويمنح الناس مساحة للفهم والمشاركة. فكثير من القرارات لا تفشل لأنها خاطئة بل لأنها قدمت بطريقة جافة جعلت الناس يرفضون الأسلوب قبل أن يناقشوا المضمون.
وفي النهاية يبقى ما بعد الاجتماع هو الاختبار الحقيقي للقيادة. فالمدير قد ينجح في إدارة ساعة من الحوار لكنه لا يصبح قائدا مؤثرا إلا عندما ينجح في تحويل ذلك الحوار إلى فعل ونتيجة وأثر. فالاجتماعات لا تصنع المؤسسات لكن القرارات التي تجد طريقها إلى التنفيذ هي التي تصنع الفرق.
د. بدر رمضان الحوسني
Albder.com

تعليقات
إرسال تعليق