إعلان علوي

استخدام مفردة «استشراف» في مواقع التواصل

 تولّد بين جنبات موقع «تويتر» معنى جديد لمفردة عربية قديمة هي «الاستشراف»، فهناك حشدٌ من الناطقين بالعربية في هذا الموقع بات يستخدم هذه المفردة بمعنى مختلف عن معناها المعروف. تولّد الألفاظ والمعاني الجديدة ظاهرة لغوية في أغلب لغات العالم، وفي اللغة العربية الظاهرة قديمة، حتى سميت بعض المفردات بـ«المولّدة»، أي وُلدت من جذر معروف، إضافة إلى تولّد المعاني الجديدة من الألفاظ القديمة، فيقال إن المعنى مولّد. وبالعودة إلى المعاجم العربية نجد أن مصدر «الاستشراف» هو مفردة «استشرَف، يستشرِف، استشرافاً، فهو مُستشرِف»، فنقول صعد البرج للاستشراف على المدينة، أي الإطلال عليها من أعلى والنظر إليها، واستشرف للخطر، أي تعرّض له، واستشراف المستقبل، أي التطلّع إليه أو الحدس به، واستشراف السوق، أي استطلاع أحوالها وإمكاناتها في المستقبل، واستشرف شخصاً، أي وجده شريفاً. أما المعنى المولّد ل«الاستشراف» فيختلف عن المعاني السابقة، ويُعتقد أنه أخذ في التداول لأول مرة في موقع «تويتر»، حيث المكان الذي لم يسبق أن وُجد في التاريخ ليتلاقى فيه الناس من مختلف أنحاء العالم، من دون ترتيبات مسبقة، أو حواجز، ما نشأ عنه أيضاً إعطاء مساحة كبيرة للتدخّل في خصوصيات الآخرين، وفرض الوصاية على ما يقولونه وما يعرضونه، فأتت الحاجة إلى توصيف هذا السلوك بكلمة واحدة، في ظل عدم وجود كلمة بتلك الدلالة. كانت الكلمة هي «الاستشراف»، بمعنى سوق الشرف والفضيلة على الآخرين، أي السعي الرخيص والسهل لنيل الشرف والفضيلة على حساب الآخرين، ثم من هذا المعنى تفرعت معانٍ أخرى يدل عليها السياق، كالنفاق في أمر أخلاقي، أو الاعتراض على الآخر في سلوك شخصي لا يخالف القانون، أو محاولة تلميع النفس بذمّ تصرفات الآخرين، أو ممارسة الوصاية الأخلاقية على الناس. ولا يقتصر استخدام مفردة «استشراف» في مواقع التواصل في إطار العلاقات الاجتماعية، فهناك استشراف سياسي مثلاً، كأن يقدح إعلام دولة تقيم علاقات مع «إسرائيل»، بدولة أخرى بشبهة وجود علاقة معها مع «إسرائيل»، فيقال إن الدولة الأولى تستشرف على الدولة الثانية، بمعنى تعيب عليها لتغطي على نفسها، كما تفعل قناة «الجزيرة» مثلاً. وباختصار، الاستشراف بمعناه المتداول في العالم الافتراضي يدور حول الانتساب إلى الشرف بالنيل من الآخرين، وادعاء المثالية، والتصنّع، والتناقض بين الأقوال والأفعال، واقتحام الخصوصية، وليس حول التطلّع أو الحدس أو الرؤية البعيدة. وفي مجتمعات مهووسة بمحاسبة الآخرين، ومع أشخاص كثر يقولون ما لا يفعلون، ويعيبون على الآخرين إتيان ما يفعلونه، فإنه من المهم أن تكون هناك مفردة واحدة مثل «الاستشراف» قادرة على كشف هذه السلوكيات، لتساهم في الحدّ منها تدريجياً، للتأسيس لمجتمعات ينشغل فيها أفرادها بأنفسهم بدلاً من الانشغال بالآخرين والتضييق عليهم، ومحاسبتهم وفرض الوصاية عليهم فيما لا يخالف القوانين. مجمعات اللغة العربية مدعوة لاعتماد هذا المعنى المولّد لمفردة «استشراف»، وإدخالها في معاجم اللغة، لتكون شاهداً على مرحلة من مراحل توليد المعاني الجديدة لكلمة قديمة، في ظل تغيرات اجتماعية وإعلامية مهمة.

ليست هناك تعليقات